عبد الوهاب الشعراني

33

تنبيه المغترين

والآثار في ذلك كثيرة مشهورة في كتاب الرقائق وما تميز أهل اللّه عز وجل عن غيرهم إلا بالإقبال على الآخرة والتهيؤ لأحوالها ، فتأمل يا أخي في نفسك وما أنت منطو عليه من الغفلة والسهو عما يقر بك إلى اللّه تعالى وأكثر من الاستغفار والحمد للّه رب العالمين . تمنى الموت ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : تمني الموت إذا خافوا على أنفسهم فيما يسخط اللّه عز وجل عليهم وذلك بأمارات تظهر لهم من أنفسهم هي كالمقدمات للمعاصي والقرائن معدودة من الأدلة في كثير من المواضع وقد كان عابس الغفاري رضي اللّه عنه في أيام الطاعون يقول يا طاعون خذني ويكرر ذلك فقال له ابن عم له : كيف تقول ذلك يا عابس وقد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : [ لا يتمنى أحدكم الموت فإنه انقطاع لعمله ] فقال عابس : نعم سمعته يقول ذلك . ولكني أخاف ستا سمعته صلى اللّه عليه وسلم يتخوفهن على أمته : أمارة السفهاء ، وكثرة الشرط ، وبيع الحكم ، وقطيعة الرحم ، والاستخفاف بالدم ، ونشوا يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفصحهم في الدين ولكن يقدمونه ليغنيهم به غناء انتهى . وكذلك تمنى أبو بكرة الموت رضي اللّه عنه فقيل له ذلك فقال : أخاف أن أدرك زمانا لا أمر فيه بالمعروف ولا نهي فيه عن المنكر ، وقد كان أبو هريرة رضى اللّه عنه يقول : سيأتي على الناس زمان يكون الموت أحب إلى العلماء فيه من الذهب الأحمر حتى يأتي الرجل قبر أخيه فيقول يا ليتني كنت مكانك ، وكان يحيى بن معاذر رحمه اللّه تعالى يقول : من أطاع اللّه لم يتمن الموت ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى إذا رأى أحدا فيه خيرا قال له : ادع لي بالموت ، وكان أبو الدرداء رضي اللّه عنه يقول : ما من مؤمن ولا كافر إلا والموت خير له ، فإن اللّه تعالى يقول : [ وما عند اللّه خير للأبرار ] ، وقال : [ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ] « 1 » ، وقد كان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : لقد أدركت مشايخنا وهم يتمنون الموت رضي اللّه عنهم فكنت أعجب منهم حتى صرت الآن أتعجب ممن لا يحب الموت . وكان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقول : ذهب صفو الدنيا وبقي كدرها ، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه يقول : ما أحب أن يخفف عني الموت

--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 178 .